سليمان بن موسى الكلاعي
45
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح ، فساروا حتى نزلوا المطابخ « 1 » شعبا بأعلى مكة ، فاصطلحوا به وأسلموا الأمر إلى مضاض . فلما رجع إليه أمر مكة فصار ملكها له ، نحر للناس وأطعمهم ، فاطبخ الناس وأكلوا . فيقال : ما سميت المطابخ إلا لذلك . وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم ، وكان منزله . فكان الذي كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة ، فيما يزعمون . ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة ، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة ، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك ، لخؤولتهم وقرابتهم ، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال . فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل ، انتشروا في البلاد ، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم . ثم إن جرهم بغوا بمكة ، واستحلوا [ خلالا ] « 2 » من الحرمة ، وظلموا من دخلها من غير أهلها ، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها ، فرق أمرهم . فلما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وغبشان من خزاعة ، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة ، فآذنوهم بالحرب . فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان ، فنفوهم من مكة . وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا ، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته ، فكانت تسمى الناسة ، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه . فيقال : ما سميت ببكة « 3 » ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا .
--> ( 1 ) المطابخ : موضع معروف بمكة . انظر : الروض المعطار ( ص 543 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفتين في الأصول : « حلالا » ، وما أوردناه من السيرة . وخلال : جمع خلة وهى الخصلة . ( 3 ) قال ابن هشام في السيرة ( 1 / 109 ) : أخبرني أبو عبيدة : أن بكة اسم لبطن مكة ؛ لأنهم يتباكون فيها ، أي : يزدحمون ، وأنشدني : إذا الشريب أخذته أكه * فخله حتى يبك بكه أي : فدعه حتى يبك إبله ، أي يخليها إلى الماء ، فتزدحم عليه ، وهو موضع البيت والمسجد ، وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم .